أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
120
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
اختصاصها بالأسماء كما مرّ ، إلا « ليت » فإنه يجوز فيها الوجهان سماعا ، وأنشدوا قول النابغة : 190 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا ونصفه فقد « 1 » برفع « الحمام » ونصبه ، فأمّا إعمالها فلبقاء اختصاصها ، وأمّا إهمالها فلحملها على أخواتها ، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت أنها معملة على رواية الرفع أيضا بأن تجعل « ما » موصولة بمعنى الذي ، كالتي في قوله تعالى : إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ « 2 » ب « هذا » خبر مبتدأ محذوف هو العائد ، و « الحمام » نعت ل « هذا » و « لنا » خبر لليت ، وحذف العائد وإن لم تظل الصلة ، والتقدير : ألا ليت الذي هو هذا الحمام كائن لنا ، وهذا أولى من أن يدّعى إهمالها ، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باق . وزعم بعضهم أن « ما » الزائدة إذا اتصلت بإنّ وأخواتها جاز الإعمال في الجميع . و « نحن » مبتدأ ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم ، ومن معه ، أو المعظّم نفسه ، و « مصلحون » خبره ، والجملة في محلّ نصب لأنها محكية بقالوا . والجملة الشرطية وهي قوله : « وإذا قيل لهم » عطف على صلة من ، وهي « يقول » ، أي : ومن الناس من يقول ، ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا : وقيل : يجوز أن تكون مستأنفة ، وعلى هذين القولين فلا محلّ لها من الإعراب لما تقدم ، ولكنها جزء كلام على القول الأول وكلام مستقل على القول الثاني ، وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون معطوفة على « يكذبون » الواقع خبرا ل « كانوا » ، فيكون محلّها النصب . وردّ بعضهم « 3 » عليهما بأنّ هذا الذي أجازاه على أحد وجهي « ما » من قوله « بما كانوا يكذبون » خطأ ، وهو أن تكون موصولة بمعنى الذي ، إذ لا عائد فيها يعود على « ما » الموصولة ، وكذلك إذا جعلت مصدرية فإنها تفتقر إلى العائد عند الأخفش وابن السراج . والجواب عن هذا أنهما لا يجيزان ذلك إلا وهما يعتقدان أن « ما » موصولة حرفية ، وأمّا مذهب الأخفش وابن السراج فلا يلزمهما القول به ، ولكنه يشكل على أبي البقاء وحده فإنه يستضعف كون « ما » مصدرية كما تقدم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 12 إلى 13 ] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ : الآية . « ألا » حرف تنبيه واستفتاح ، وليست مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية ، بل هي بسيطة ، ولكنها لفظ مشترك بين التنبيه والاستفتاح ، فتدخل على الجملة اسمية كانت أو فعلية ، وبين العرض والتخصيص ، فتختصّ بالأفعال لفظا أو تقديرا ، وتكون النافية للجنس دخلت عليها همزة الاستفهام ، ولها أحكام تقدّم بعضها عند قوله : لا رَيْبَ فِيهِ « 4 » ، وتكون للتمني فتجري مجرى « ليت » في بعض أحكامها . وأجاز بعضهم أن تكون جوابا بمعنى بلى ، يقول القائل : لم يقم زيد ، فتقول : ألا ، بمعنى بلى قد قام ، وهو غريب . و « إنهم » « إنّ » واسمها ، و « هم » تحتمل ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 16 ) ، المقرب ( 1 / 110 ) ، . الخصائص ( 12 / 460 ) ، الخزانة ( 4 / 297 ) ، المغني ( 75 ) ، الدرر ( 1 / 121 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 69 ) . ( 3 ) البحر المحيط ( 1 / 63 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 2 ) .